الموقع الرسمي للكاتب حسين الراوي
الإثنين 19 نوفمبر 2018

جديد الأخبار

الأخبار
الأخبار
حسين الراوي / أبعاد السطور / صوت الكاتب
09-30-2012 12:10

كلما ظننت أنني قطعت مساحة كبيرة في الابتعاد عن الكِتابة والشِعر أجدني من دون أن أشعر مغموسا بكل لطف ووداعة في جوفيهما! لم يكن في يوم من الأيام متخيلاً أنني سأكون كاتباً مرّ بتجارب عدة، وجرائد عدة، وقراء عدة، وتوقفات حزينة وسيئة عدة. لكنني أصبحت اليوم كاتباً مرّ في كل ما ذكرت. لا أعلم هل أنا سعيت نحو القلم أم أن القلم هو من سعى إليّ، هل أنا من أحب خصوصياته القلم وعمومياته أم أن القلم هو من أحبني بكل تكويناتي وجزيئاتي، هل أنا من جذبه هواء الحبر الطهور فرأى فيه مغتسلا باردا وشرابا لأوجاعه وحزنه وطموحه وآماله وآلامه وتشظياته، أم أن القلم وجد في فوضويتي وجسارتي ومزاجيتي ووضوحي وحبي لنقض العادة شيئاً جميلاً سِرياً لا أعلمه، دفعه نحوي ليرتمي في عالمي؟ كنت أعجب كثيراً من ذلك الحزن الكبير وذلك الخيال الواسع ومن كمية العذوبة والألم ومن تلك المشاعر الرائعة والمواقف التي لا تنسى التي ينسجها غابريال ماركيز واميل زولا وفيغتور هيغو وازابيل اللندي وعزيز نيسن وإبراهيم الكوني ومحمد الماغوط وباولو كويلو وآخرون في مقالاتهم وروياتهم وقصصهم الشخصية ومذكراتهم، لقد تعلمت منهم الكثير، شكراً لهم، إنهم علموني كيف أكون قريباً من ذاتي وأنا أكتب، وكيف أستشعر أن القارئ جالس أمامي حينما أكتب، وكيف أتلمس بلطف ودعة أوجاع الناس حتى أصل لمصدر الألم، وكيف تكون الكِتابة روحاً طيبة يتقبلها الناس بالحب والشوق، وكيف يكون القلم سلاحاً ماضياً في سبيل الخير، وكيف أُخرج من الدمعة والآه والحزن سطوراً ساخرة أُجدِل بها سوطاً أمشق بهِ ظهر من يستحق. ومنتهى الغرابة أن يصنع الكاتب كرسي مجده من حزنه وجروحه وفضفضته واحتراقه فوق الورق، إنه شيء مضحك للغاية! آسف، بل لعل الأحق أن أقول عنه: أنه شيء محزن للغاية. إن الكِتابة إدمان، إدمان على الوجود، إدمان على المنافسة، إدمان على الفضفضة، إدمان على المعرفة، إدمان على الانتشار، إدمان على أن يكون الكاتب شيئا مذكوراً. كل ما زاد احتراق الكاتب وصاح بألم فوق الورق كلما هتف له الجمهور وصفق بقوة، ولا شيء عجيب وغريب في ذلك، هذا لأن الحزن الصادق هو الأقرب من قلوب الناس، والقارئ رغم أنه يستشعر الألم في كتاباتنا إلا أنه في الجانب الآخر يجد في حزننا لذة لها عذوبة خاصة في داخله. الرغبة والتميز هما كفتا الميزان عندي ككاتب، الرغبة في أن أقدم شيئاً للوطن للناس للخير لأحبابي، والتميز في أن أكون ذا صورة جميلة ومشرقة عند القارئ. لا أعلم لماذا يجذبني جوّ المطارات للِكتابة! فرغم الزحام والحركة الدائمة وكثرة النداءات لرحلات الطيران إلا أنني لحظتها أنعزل عن كل شيء تماماً، فأتجه لأن آخذ ركناً في أقاصي مقاهي المطارات ثم أفتح جهاز (اللابتوب) وأُخرج صفحة بيضاء من برنامج (الوورد) وأترك أصابعي تترجم عبر أزرار (الكيبورد) ما يمليه عليها فكري المزدحم بفكرة المقال أو القصيدة الجديدة. في إحدى المرات كنت جالساً في مقهى المطار منشغلاً ومنهمكاً في الكِتابة وشرب القهوة، وبعد أن أتممت ما كنت أكتبه أدخلت (اللابتوب) في حقيبته وجمعت أشيائي، ولما سددت نظري نحو الساعة التي كانت معلقة أمامي وجدت أن الوقت يشير إلى أن الطائرة أقلعت منذ ربع ساعة! وعلى الفور أخرجت (اللابتوب) من جديد وبدأت في كتابة فكرة مقال ثان!
وبمناسبة الإدمان على الكِتابة أذكر سطوراً عجيبة لمصطفى أمين في «سنة أولى سجن» يقول فيها: «في سجن ليمان طره مثلاً كانت الأوامر والتعليمات التي أصدرها وزير الداخلية بشأن معاملتي ألا يوضع ورق أو حبر أو قلم في زنزانتي، وأن أضعها في مكتب ضابط العنبر، وأن أكتب إلى أسرتي مرتين في كل شهر، وألا يزيد كل خطاب على نصف ورقة كراس، وأن أكتب الخطاب في مكتب الضابط وفي وجوده! وكنت مسجوناً نموذجياً، أطيع الأوامر والتعليمات، مهما كانت سخيفة وجائرة، وكل تعليمات السجن سخيفة وجائرة. ولكن تعليمات وحيدة قررت أن أثور عليها، وأخالفها وهي الخاصة بعدم الكتابة، وذلك ان الكتابة بالنسبة للكاتب أشبه بالتنفس، وكان معنى هذه التعليمات الجائرة أن أتنفس مرتين كل شهر».


حسين الراوي
كاتب كويتي
alrawie1@hotmail.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1123


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


تقييم
1.01/10 (27 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تصميم مواقع - استضافة مواقع - تطوير كويت ايجي لخدمات مواقع الانترنت
تطوير وتصميم واستضافة كويت ايجي
الرئيسية |الفيديو |الأخبار |راسلنا | للأعلى