الموقع الرسمي للكاتب حسين الراوي
الإثنين 19 نوفمبر 2018

جديد الأخبار

الأخبار
الأخبار
حسين الراوي / أبعاد السطور / النصف الجميل للألم
09-30-2012 12:10

للألم نصف جميل غير ذلك النصف المأسوي الحزين، والنصف الجميل للألم لا يكتشفه ولا يستشعره ولا يصل له ولا يدرك وجوده إلا أولئك الذين تأملوا طويلاً في آلامهم من كل اتجاهاتها. يختلف الألم من شخصٍ لآخر، فأحيانًا يكون الألم عند بعض الناس شديداً مربكاً، بينما يكون عاديًا عند آخر، أي ان استقبال الألم والتعايش معه يختلف باختلاف الأرواح والإدراك، فكل ما كانت أرواحنا قوية وإدراكنا واسعاً كلما كان وقع الألم علينا أقل بكثير. الألم نوعان، ألم نفسي وألم عضوي، والألم النفسي أشد إضراراً بالإنسان من الألم العضوي، هذا لأن الألم العضوي يمكن تشخيصه بسهولة ثم محاولة علاجه بما يتيسر من عقاقير وأدوية وجلسات وفحوصات طبية، أما الألم النفسي فهو يسكن كل البدن، وينتشر في أرجائه على أشكال عدة مثل القلق والاكتئاب والخوف والحذر والتوجس وضعف في الشهية وخوّر في العزيمة وهروب من الواقع وعزلة عن الناس. في يوم من الأيام كان هناك شاب تونسي يُدعى محمد بو عزيزي يبلغ من العمر 26 عاماً لم يلتفت لقسوة آلامه، ولم تحد كثرة آلامه من طموحاته، ولم تستطع آلامه أن تُركِع روحه وتجعلها عبده للحزن والآه. محمد بو عزيزي حاصل على شهادة جامعية، يحمل في قلبه الإيمان والأمل والطموح، صعوبة الحياة والبطالة الكبيرة في بلاده قادته لأن يصنع عربة خشبية صغيرة يدفعها بكلتا يديه يضع فوقها أنواعاً مختلفة من الخضار ثم يتجول بها ويبيع ما يستطيع بيعه من الخضار لكي يسد احتياجاته واحتياجات أسرته الفقيرة. في يوم 17- 12- 2010 ميلادي صادرت سلطة البلدية عربته اليدوية مصدر دخله الوحيد، فذهب لإدارة البلدية لكيّ يشرح ويشكو لهم ما يخالجه من ظلم وحزن حل به بسبب مصادرتهم لعربته الصغيرة التي عن طريقها يُعيل نفسه وأهله، لكن إدارة البلدية لم تسمع شكواه ولم تلتفت له بعين الشفقة والرحمة، وبسبب شدة مطالبته بإرجاع عربته ما كان من إحدى موظفات البلدية إلا أن صفعته صفعة قوية على وجهه بلا إنسانية، حينها انهار بو عزيزي وهو يرى أن الظلم والقهر قد بلغا منه مبلغاً كبيراً بشكل لا يطيقه، حينها خرج من مبنى البلدية متجهاً نحو الشارع فأضرم النار في جسده أمام الناس، ولسان حاله يقول لكل الشعب هناك: آسف، لم أستطع أن أتحمل أكثر مما تحملت، إن بلادي من 23 عاماً وهي تعيش خارج نطاق الحرية، والفساد الإداري انتشر في كل زوايا الوطن، والبطالة طالت أكثر من ثلثي شباب تونس الذين لم تستطع شهاداتهم الجامعية أن توّفر لهم الأمان من الجوع والتجوّل في الشوارع. انتشرت قصة الشاب بو عزيزي في كل أرجاء تونس، فاندلعت المظاهرات الغاضبة لمناصرته بعد وقت قصير من إشعاله النار في نفسه، ثم توسع الغضب ليشمل معظم العاطلين عن العمل، واندلعت احتجاجات واسعة سرت بسرعة كبيرة لتشمل الطبقات كافة في الشعب التونسي، حتى أن قوات الأمن والجيش والداخلية التونسية لم تستطع أن تُخمد هذه الثورة الغاضبة، فما كان من السلطة المستبدة هناك إلا أن أصدرت أوامرها لقوات الأمن أن تطلق الرصاص على المتظاهرين من أبناء الشعب التونسي، فوقع العديد من الضحايا الأبرياء هناك، ولكن الثورة لم تخمد بل كانت تزيد وتزيد حتى أيقن الرئيس التونسي أن الشعب لن يغفر له أبداً 23 عاماً حكمهم فيها بالظلم والقهر والحديد والنار والتدخل في معتقداتهم الدينية وحرياتهم، فما كان منه إلا أن هرب فاراً من غضب الشعب التونسي بطائرة خاصة مع أسرته. مات محمد بو عزيزي متأثراً في حروقه، مات ولم يعلم أن بلاده تحررت من الطغيان والظلم، مات ولم يعلم أن عربته الصغيرة لم تكن إلا قنبلة عظيمة جعلت تونس تشتعل بكل اتجاهاتها، مات بو عزيزي ولم يعلم أنه كان بإحراقه لجسده أشعل الشرارة الأولى لاشتعال النخوة في ملايين الأرواح التونسية التي خرجت تتظاهر وتحتج بغضب وهي تهتف وتردد اسمه. مات بو عزيزي ولسان حاله يقول لكل شعوب العالم: اكسروا حاجز الخوف وهيبة الجلاد إن الطغاة يستمدون قوتهم من ضعفنا. رحم الله الشاب التونسي محمد بو عزيزي الذي أثبت للبشرية أن للألم نصفاً جميلاً.


حسين الراوي
كاتب كويتي
alrawie1@hotmail.com

تعليقات

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1103


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


تقييم
1.01/10 (28 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تصميم مواقع - استضافة مواقع - تطوير كويت ايجي لخدمات مواقع الانترنت
تطوير وتصميم واستضافة كويت ايجي
الرئيسية |الفيديو |الأخبار |راسلنا | للأعلى