الموقع الرسمي للكاتب حسين الراوي
الإثنين 19 نوفمبر 2018

جديد الأخبار

الأخبار
الأخبار
حسين الراوي / أبعاد السطور / شوربة أفكار!
09-30-2012 12:41


(مسج)
كان مشغول الرأس ولم يُبق فيه حيزاً إلا وملأه بالتفكير، وعيناه كانتا تُراقبان شاشة الهاتف الخلوي كما يراقب السجين باب زنزانته. إنه لا يريد أكثر من «مسج» يأتي بالرد الذي يقطع نار انتظاره ويُروي عطشه. بدأ شيئاً فشيئاً يقترب منه النوم، وبعد مبارزة خاسرة مع النعاس ها هو يستسلُم للنوم بكل قناعة. فجأة قطع صوت «المسج» نومه، فهرع من سريره متجهاً نحو هاتفه الخلوي، فتعثر دونه بطرف السرير وسقط يتأوه وهو ممسكاً بفخذه. بعد لحظات استجمع قوته وقام، أشعل النور ثم اتجه يعرُج نحو الهاتف، ففتح عينيه على آخرهما ليقرأ «المسج»، فتبين أن «المسج» كان مرسلاً من شركة عطور تقدم خصومات موسمية. وعلى الفور ضرب الهاتف بالجدار وأتبعه ببصقة غاضبة! فتناثرت أجزاء هاتفه الخلوي إلى قطع كثيرة انتشرت في الغرفة، أما هو فتنازل عن كل شيء ونام حيث موضع قدميه!
(الغارق في الفنجان)
في مساءٍ ممطر برده قارس، دخل المقهى واتجه على الفور نحو الطاولة الأقصى في المكان. خلع معطفه الطويل على الكرسي ووضع الوشاح الشتوي الذي حول رقبته فوق الطاولة. جاءه النادل يسأله عما يشتهي أن يشربه؟ فطلب منه فنجان قهوة سادة. وضع يده على خده وسرح بعيداً، كان يتلذذ بهذه الغيبوبة التي تتلبسه حين تعب. أتى النادل ووضع فنجان القهوة أمامه، فاستدارت نظراته نحو ذلك البخار الذي يتصاعد من الفنجان. كان يغرق في دفء بحر الشتات، ويُسلِم وعيه عمداً أسيراً للاوعي. ها هو النادل يمد يده نحو كتف (الغارق) ويقول له: سيدي، إننا نريد أن نُغلق المقهى!
(بلا عقل)
ذات ليلة لم يكن يعيشها إلا هو، ضحك بصوت عالٍ! لأنه تذكر وبعمق قاسٍ، كيف كان يظن أن تلك الأيام السوداء التي كانت مربكة له، انقضت وأصبحت في عِداد الذكرى، وأنه لا يزال يتمتع بعقل جيد! وأنه لم يُجن أو يصاب بتشنجات عصبية، وأن ظنه لم يصدُق بأن الناس سوف يتحدثون عنه في مجالسهم أنه كان بعقل ومن ثم أصبح بلا عقل!
(!!)
في هذا الزمن الذي انقلبت فيه مفاهيم كثيرة وجهاً على قفا، إياك أن تتعجب من أي شيءٍ يثير العجب! فالحرامي أصبح ضابط شرطة كبيراً، والغبي أصبح مُفكراً يطل علينا في القنوات الفضائية، والفاشل أصبح دكتوراً جامعياً، والتافه أصبح أديباً، والعاهرة أصبحت ذات قدر واحترام، والفاسد العربيد أصبح ينصح الناس ويعظهم، والمطربون والمطربات أصبحوا نجوماً، والأطباء أصبحوا جزارين، والتجار أصبحوا لصوصاً، والسجون ضاقت بالأبرياء، وكلام الله أصبحوا يبيعونه بكل جشع!!
(شكراً للطغاة)
ساهمت الأنظمة العربية القمعية بأجهزتها ومخبريها وسياطها وسجونها وأصفادها وتخلفها في ظهور فن الكتابة الساخرة وانتشارها في الوطن العربي، ولا مبالغة لو قلت ان كاتبا عربيا واحدا يكتب السخرية الحقيقية يعادل كل كُتاب أوروبا الساخرين، لأن الكاتب العربي يذوق مُرّ الخيبات والخذلان والانكسار والضعف كإنسان عربي ليل نهار من المحيط إلى الخليج، ولأن سياسة القهر وتكميم الأفواه والطبقية والمحسوبية وضياع الحقوق كلها صقلت الكاتب العربي، وبالذات ذلك الكاتب الذي راح يغمس رأس قلمه في قلب وجعه ليكتب سخريته بألوان حزنه وألمه وضيقته وشتاته، وصدق الماغوط حينما سئل ذات مرة عن ماهية السخرية؟ فأجاب: «إن السخرية هي ذروّة الألم».

alrawie @
alrawie1@hotmail.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1660


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


تقييم
1.01/10 (227 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تصميم مواقع - استضافة مواقع - تطوير كويت ايجي لخدمات مواقع الانترنت
تطوير وتصميم واستضافة كويت ايجي
الرئيسية |الفيديو |الأخبار |راسلنا | للأعلى