الموقع الرسمي للكاتب حسين الراوي
الإثنين 19 نوفمبر 2018

جديد الأخبار

الأخبار
الأخبار
( المتشرّد ) قصة قصيرة
( المتشرّد ) قصة قصيرة
05-05-2013 07:01
مدّ كلتا يديه ببطءٍ وفتور من تحت الغطاء، ورفعه عن رأسه، وأخذ يتحسس ساعته القديمة التي خبأها تحت الكرتون الورقي الذي افترشه، فلما أمسك بها أخذ يحاول ناعساً بنصف عين أن يعرف إلى ماذا تشير عقارب الساعة؟ كان الوقت حينها الخامسة صباحاً، وكان البرد قارساً لا يرحم، وأصوات السيارات كانت تنطلق من الاتجاهات الأربعة من تحت الجسر الذي اتخذه مأوى له، والسماء كانت مثقلة بالغيوم التي حجبت دفء الشمس عن المكان. دفع الرجل الستيني برجليه غطاءه البالي، ثم تربّع على فراشه الكرتوني، وارتدى طاقيته الشتوية، وأدخل كلتا يديه في قفازيه الممزقين، ثم قام يجمع مِنْ حوله بعض كِسر الأغصان الصغيرة والحشائش اليابسة، فأضرم بها النار وجلس أمامها يقتبس منها الدفء. وبعد أن انتشر الدفء في جسمه الهزيل، قام وأحضر حقيبته البالية فعاد مجدداً أمام النار وأخرج من حقيبته علبة معدنية فتح احد طرفيها وأرجعه للخلف، فسكب بداخلها الماء وجعلها على طرف النار، وبعد أن أخذ الماء يغلي بداخلها، أخرج كيسَ شايٍ ورقيٍّ مِنَ الحقيبة، فقذفه مع قليل من السّكّر في جوف العلبة المعدنية، ثم أبعدها عن النار حتى تبرد. وبعد لحظات أمسك بالطرف العلوي للعلبة ثم أسند ظهره على جدار الجسر، ومدّ رجليه وأخذ يحتسي الشاي وهو يرمق السيارات عن يمينه وشماله بعينيه البائستين. لحظتها رآه من بعيدٍ أحد مشاهير المصورين في البلد، فركن سيارته على الفور، وتناول كاميرته الفوتوغرافية بسرعة، وبدأ بتجهيزها بعدسة ذات زومٍ مميّزٍ ودقيقٍ، وأخذ يترصّد لحركات الرجل الستيني وهو تحت الجسر أمام النار يشرب الشاي. وبثلاث صور أنهى المصوّر المشهور مهمته التي توقّف من أجلها، ثم تحرك بسيارته وانصرف وكأن شيئاً لم يكن.
بعد أسابيع وبينما كان الرجل الستيني المتشرد بجسمه النحيل وثيابه الرّثّة يجوب الشوارع والطرقات، يستجدي من الناس النقود، رأى حشدا من الناس اصطفّوا للدخول إلى أحد المباني الفخمة، هنا قال في سرّه: «ما هذا الحشد؟! إنها فرصة عظيمة لأجمع منهم ما لا أستطع جمعه بساعات طويلة». واتّجه على الفور نحو ذلك الحشد المصطفّ أمام المبنى، وأخذ يستجديهم النقود، فمنهم من كان يعطيه، ومنهم من كان يمنعه. وبعد أن دخل معظم المصطفين إلى داخل المبنى، حاول هو كذلك أن يدخل إلى داخله، لكن حراس الأمن الذين كانوا متواجدين أمام المبنى منعوه من الدخول، فحاول مرة ثانية الدخول فأمسكوا به وطردوه، ثم حاول للمرة الثالثة أن ينفذ نحو الداخل فأمسك به حراس الأمن وضربوه وركلوه ورموه بعيداً عن بوابة المبنى. فجلس أمام المبنى محتبئاً حزيناً متألماً، فانتزع طاقيته الشتوية المغبرة من على رأسه وأخذ يتأملها، وتارة يتأمل في قفازيه الممزقين، وتارة يتأمل باقي ملابسه الرّثّة، فقال ساخراً: «هه! كيف لي أن أحلم بدخول المبنى مثلهم، وملابسي التي أرتديها واضحة لا تعرف الكذب! إنهم قوم لا يحبون صدق الفقراء».
ثم أخرج من جيبه سيجارة وأشعلها، وأخذ يسحب منها أنفاساً عميقة وهو يُحدّق في بوابة المبنى، حينها توقف باص متوسط الحجم يُقِلّ عدداً من طلبة احد المعاهد الدراسية أرادوا الدخول للمبنى، فقام مسرعاً ودخل في وسطهم واختبأ بينهم عن عيون حراس الأمن، فنجح أخيراً واستطاع أن ينفذ نحو الداخل!
دخل الرجل الستيني المتشرّد إلى المبنى لكيّ يحقق هدفه في الحصول على ما يحتاجه من نقود سيستجديها ممن سبقوه في الدخول، وبينما كان يسير في ممرات المبنى عرف أخيراً أنه في معرض فوتوغرافي أُقيم من أجل عرض بعض الصوّر للبيع، حيث كانت الصور الفوتوغرافية معلّقة على الحيطان في كل الاتجاهات.
لم يكترث الرجل الستيني بالصور الفوتوغرافية المعلّقة، وأخذ يمارس من جديد استجداء النقود من الحضور. وبينما كان يسير في قاعة المعرض ماداً يده، انتبه صدفة أن هناك صورة لرجل ملامحه تشبه ملامح وجهه! قد أخذت حيزاً في صدر القاعة! فاتجه نحوها ببطء، وهو لا يزال مادّا يده! حتى اقترب منها ووقف أمامها وأخذ يُدّقق فيها للحظات، وفجأة التفت يميناً وشمالاً ثم ابتسم، وقال: «إنه أنا! هاتان هما عيناي، والأنف أنفي، وكذلك الفم هو ذاته فمي». ثم وضع كلتا يديه أمامه وأخذ ينظر لقفازيه، وقال: «وحتى هذين القفازين المهترءين في الصورة هما قفازيّ، حتى العلبة هي ذاتها التي أشرب بها الشاي كل صباح». ثم صرخ بصوتٍ عالٍ: «إنه أنا... أنا أنا». فالتفت الحضور إليه واقترب منه عدد منهم، يسألونه عن أمره. فأقبل من بينهم صاحب المعرض المصوّر الذي التقط له الصورة، فأمر حراس الأمن بطرده من القاعة! فحمله أربعة من حراس الأمن وهو يصرخ:
«اتركوني... اتركوني». فألقوا به خارج القاعة على الإسفلت. وهناك جلس وحيداً يبكي، فتبعه محامٍ من داخل القاعة، فأخذ بيده ورفعه عن الإسفلت، ثم أركبه معه بسيارته واتجه به نحو أحد المطاعم، وهناك عرض عليه المحامي أن يفوّضه قانونياً لكي يقيم قضية قانونية على ذلك المصوّر الشهير الذي قام بتصويره من دون أخذ الإذن منه، فوافق المتشرّد على ذلك، ولأنه أُميّ لا يُحسن الكِتابة والقراءة بصّمه المحامي على التوكيل القانوني. ثم باشر المحامي في اليوم التالي رفع قضية ضد ذلك المصوّر الشهير. وبعد شهرين من المرافعات القانونية أمام المحاكم القضائية، صدر حُكمٌ ضد المصوّر الشهير يُلزمه بدفع تعويضٍ ماليٍ للرجل الستيني المتشرّد قيمته خمسة ملايين دولار!
وبعد أن تم تسلم مبلغ الخمسة ملايين كاملة، تم الاتفاق بين الرجل المتشرّد والمحامي على أن يأخذ المحامي مبلغ ثلاثة ملايين دولار، وأن يأخذ الرجل المتشرّد المليونيين المتبقيين.
اتخذ الرجل المتشرّد عن طريق المحامي رجلاً يُدير له شؤون حياته وتحركاته وما يحتاج من أمور شخصية، فاشترى على الفور شقة كبيرة، وسيارة فخمة وسائقا، وطاقما من الطباخين، وطاقما آخر متخصصا في إدارة شؤون المنزل بالكامل.
وبعد أن انتقل الرجل الستيني المشترّد إلى شقته الرحبة الواسعة، اعتاد بسرعة على الدفء والماء الساخن والنظافة والطعام المُعد بشكل صحي، لكنه واجه مشكلة في عدم تكيُّفه وانسجامه مع الهدوء الشديد الذي يحاصره في غرفة النوم، حيث إنه أصبح ينام بصعوبة شديدة، وإنْ خلد للنوم فإن الوقت الذي يقضيه في النوم يكون قليلا جداً، مما أدى به إلى الإعياء الجسدي والقلق النفسي والكآبة والوهن.
فلما عرضوه على الطبيب المختص، ذكر له الطبيب أن صعوبة النوم التي يعاني منها هي بسبب ضغط جسمه الذي أدمن الضوضاء وأصوات الشوارع وأبواق السيارات، خاصة وأنه قضى معظم حياته ينام ويأكل ويشرب ويتجوّل في الشوارع! وعلاجه أن يأخذ عقاقير منوّمة ومخدِرة لفترة طويلة من الزمن، فربما تتحسن حالته الصحية. ولما عرضوه على الطبيب النفسي، ذكر له الطبيب أن الكآبة التي يعانيها والقلق الذي يسيطر عليه هو بسبب العزلة والهدوء اللذان طرءا على حياته فجأة، حيث ان معيشته في السابق كانت منفتحة بشكل كبير، ولم يعتَدْ خلال سنوات طويلة على وجود أسوار وحيطان وأبواب وستائر تعزله وتحول بينه وبين الطبيعة وحركة الحياة في الشوارع. وعلاجه أن يأخذ بعض العقاقير المهدئة والخاصة في إحاطة الأعصاب بنوع من الفتور والخمول، لكي يتسنى له الانسجام والتكيّف مع الهدوء الشديد المحيط به.
مضى أسبوعان والرجل الستيني المتشرّد يعاني مما كان يعانيه، ولم تنفعه تلك العقاقير العديدة التي وصفها له الطبيب العام والطبيب النفسي، وازدادت حالته سوءًا
وهمّاً وكآبةً وقلقا. حتى اتجه في إحدى الليالي نحو شرفة غرفته وبيده سيجار غالي الثمن، فوقف من عليها ينظر نحو الأفق والناس تمشي على أرجلها والشوارع وأضواء السيارات، وأخذ يُمعن السمع جيداً بأصوات أبواق السيارات والضجيج الذي تحدثه الشاحنات المتزاحمة على الإسفلت، فرفع أنفه عالياً وأخذ يشم الهواء بشدة حتى انتشى، فقال: « كنت معتقداً أن الحياة هي المال الكثير، إن الحياة مختصرة على الفراش الوثير والمركب الفخم والأكل والمشرب اللذيذ، وبعد أن جربت كل هذا النعيم وجربت العيش كمتشرّد يجوب الشوارع وينام تحت الجسور ويأكل القليل من فتات الأكل، عرفت أن الحياة الحقيقية هي أن ينام أحدنا لحظة أن يضع خده على الوسادة، دونما قلق يسهره واكتئاب يزعجه وتفكير يوهنه، رباه.. كيف أفقد إيماني بعدلك في الحياة، وأحلام الذين ينامون على الريش ليست بأجمل من أحلام المعدمين والفقراء الذين ينامون يفترشون الأرض ويلتحفون السماء؟!».
فرمى السيجار على الأرض وسحقه بحذائه. ثم اتجه مسرعاً نحو خزانته وأخرج منها كيساً ثم وضعه أمامه، فشرع بنزع ملابسه التي كان يرتديها، وأخرج من ذلك الكيس بنطاله القديم وقميصه المتسخ وطاقيته الصوف وقفازيه الممزقين، فارتداهما ونزل للشارع.


نشرت في جريدة الراي الصفحة الثقافية
http://www.alraimedia.com/Article.aspx?id=428290

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2575


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


تقييم
1.51/10 (201 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تصميم مواقع - استضافة مواقع - تطوير كويت ايجي لخدمات مواقع الانترنت
تطوير وتصميم واستضافة كويت ايجي
الرئيسية |الفيديو |الأخبار |راسلنا | للأعلى