الموقع الرسمي للكاتب حسين الراوي
الإثنين 19 نوفمبر 2018

جديد الأخبار

الأخبار
الأخبار
الكتابة ... والصدفة ... والدافع
الكتابة ... والصدفة ... والدافع
03-11-2014 07:25
قبل أي سطر يُكتب هناك دافع يسبقه ثم يصنعه، وبحسب نوع ذلك الدافع وقوته ستكون أهمية ما تتم كتابته. ما يمر به إنسان من تجارب ومواقف ومعاناة ومنغصات واحتياج وظروف قاسية وغيرها، كل هذا قد يجعل من الإنسان كاتباً متميزاً ذا شهرة وصيت.

الروائي العالمي الكولومبي غابريال ماركيز دفعه فقره الشديد لأن يتجه نحو كتابة المقالات في بداياته، عندما كان يبيع الزجاجات الفارغة التي يلتقطها من النفايات والشوارع، حتى بلغ منزلة عالمية في فوزه بجوائز كثيرة للعديد من رواياته المختلفة.

الكاتبة العالمية الفرنسية فرانسواز ساغان دفعها التفكك الأسرى بين والديها وشتاتها الروحي لأن تكتب روايتها العالمية «طاب يومك أيها الحزن» وعمرها آنذاك 18 سنة.

الكاتب التركي عزيز نيسين دفعته الديون ودفعه السجن لأن يكتب قصصاً كثيرة من أجل أن يقدمها للدائن فيتنازل عن سجنه، فأصبح من الكُتاب العالميين الذين اشتهروا بالسخرية النادرة. الكاتب ستيفن كينغ الذي دفعه للكتابة أنه أراد ذات يوم إصلاح دراجته النارية، فاتجه نحو أحد الميكانيكية لإصلاحها، وبينما هو يدخل الباحة الخلفية للورشة استقبله أكبر كلب رآه في حياته، فهرب منه وأخذ الكلب يجري خلفه وهو ينبح بصوت جهوري. فكتب بعد هذا الموقف روايته المشهورة « كوجو».

الكاتب العظيم فيكتور هوغو بسبب ما كان يراه ويعايشه في تلك الحقبة التي كان يعيشها آنذاك من ظلم واستبداد وعنصرية ولأنه ضابط عسكري اتجه نحو كتابة العديد من الروايات التي كان محورها يدور حول الظلم والاستعباد.

هناك نماذج أُخرى كثيرة للعديد من الكُتاب والكاتبات الذين جعلهم دافع الكتابة يكتبون أشياء كثيرة متميزة. دعني عزيزي القارئ أخبرك عن حالي وكيف بدأت مشواري الكتابي: كنت أعمل سابقاً في دار حكومية تؤوي بعض المصابين إصابة مزدوجة في عقولهم وأجسادهم، وكانت وظيفتي هي الاشراف على تلك الفئة من المعاقين من خلال ما أكتبه عنهم من تقارير شاملة في تلك الساعات التي أقضيها معهم، تتعلق بأكلهم وشربهم وحركتهم وحالتهم وضحكهم وبكائهم وحتى من يزورنهم. ومما أفرحني في تلك الأيام أن دفتر الملاحظات كان ضخماً وكبيراً، الأمر الذي جعلني أكتب فيه تقارير مطوّلة عن تلك اللحظات التي كنت أقضيها مع نزلاء الدار.

كنت أكتب في دفتر الملاحظات بأسلوب ساخر، أحكي فيه عن تلك الأحداث والمواقف التي تحصل ليلاً أثناء تواجدي وحيداً بلا زملاء في مقر العمل، وفي ساعات الفجر الأولى بعد عناء السهر والتعب كنت أكتب اسمي في أسفل التقارير وأوقَع عليها، ثم أنصرف إلى المنزل. وبعد عدة أيام من بدايات عملي هذا اتصلت بي إحدى السكرتيرات العاملات في الدار، تخبرني بأن مشرف الدار يطلب لقائي غداً صباحاً، ولما دخلت عليه في مكتبه استقبلني بشكل أخوي وحميم، وقال إنه سعيد جداً بالتقارير التي أكتبها ليلاً في دفتر الملاحظات، وذكر أنه أصبح يترقبها بشوق ليقرأها كل صباح! وسألني إن كان عندي طلب أريد منه أن ينفذه؟ فطلبت منه أن يحوّل فترة عملي من الليل إلى الصباح، فوافق فوراً على ذلك.

ثم بدأت أعمل في الفترة الصباحية فلم أعد وحيداً من غير زملاء كما كنت أقضي ساعات الليل آنذاك، فوجدت عندي مساحة جميلة وفرصة ثمينة لأن أجلب معي العديد من الكُتب والروايات التي أنكب على قراءتها حينما يكون زملائي يأخذون دوري في الإشراف. وواصلت كتابة التقارير الساخرة بشكل يومي، حتى بدأ معظم الموظفين والموظفات يتكلمون عن سخريتي. وفي أحد الصباحات وبينما أنا أشرب الشاي في مكتبي المطل على صالة النزلاء، إذا بي أرى مشرف الدار مقبلا عليّ وهو يخطو بسرعة، ففتح باب المكتب وقال لي: مدير الإدارة يريد رؤيتك! فقلت له: بعدما أنهي كوب الشاي سأرافقك له. فقال: أقول لك مدير الإدارة يطلبك وأنت تقول بعد أن أنهي شرب الشاي! قلت له: نعم، لأن المزاج الآن مزاج شاي، إذا تم تعكير صفوه سيطير مرفرفاً كالحمامة دون رجعة سائر اليوم. فأخذ يضحك وجلس معي حتى أتممت شرب الشاي.

وحينما دخلت على مدير الإدارة قام ماداً يده لي، وتعتليه ابتسامة عريضة، وبعد أن صافحته وجلست وتكلمنا قليلاً قال لي إنه أمر مشرف الدار أن يقوم يومياً بتصوير دفتر الملاحظات الذي أكتب فيه التقارير، حتى يأخذها للبيت ليقرأها مع عائلته! وأنه معجب بشدة بتلك السخرية التي أكتبها، حيث جعلت من مادة التقرير الثقيلة مادة خفيفة ومشوّقة وسلسة. وبعد فترة من الوقت أرسلت مقالاً عبر الإيميل لإحدى الصحف الاسبوعية، فتم نشره فوراً. ومن ثم أرسلت المقال الثاني فتم نشره، وفي المقال الثالث وجدتهم عبر الإيميل يطلبون رقم هاتفي، فأعطيتهم الرقم ثم اتصل رئيس التحرير بي وطلب لقائي، وفعلاً التقيت معه في مقر الصحيفة، وطلب مني أن أكتب في صحيفته الاسبوعية بالصفحة الأخيرة نظير مقابل مادي، فوافقت على ذلك العرض، ومن هنا كانت انطلاقتي ككاتب.

نشر في جريدة الراي
http://www.alraimedia.com/Articles.aspx?id=488715
roo7.net@gmail.com
Twitter: @alrawie

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1346


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


تقييم
2.63/10 (26 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تصميم مواقع - استضافة مواقع - تطوير كويت ايجي لخدمات مواقع الانترنت
تطوير وتصميم واستضافة كويت ايجي
الرئيسية |الفيديو |الأخبار |راسلنا | للأعلى