الموقع الرسمي للكاتب حسين الراوي
الإثنين 11 ديسمبر 2017

جديد الأخبار

الأخبار
الأخبار
عندما تُحارب الكُتب... بالمنع والقمع والتنكيل!
عندما تُحارب الكُتب... بالمنع والقمع والتنكيل!صورة الكاتب حسين الراوي
07-07-2014 05:19
الكتب هي أوعية الفكر، وهي المغتسل البارد والشراب للحياة بمجملها لما في بطونها من منافع عظيمة علمية وأدبية وتاريخية وغيرها... مهمة لبناء الإنسان وبناء الكون أجمع.

منذ قديم الزمن والعقل البشري يبث معتقداته وآراءه، ويؤلف الكُتب على سائر اختلاف أنواعها، ومنذ قديم الزمن هناك معتقدات وآراء تمت محاربتها وكُتب تم منع تداولها من أجل ألا تنتشر تلك الآراء والكُتب بين الناس، فتم التحذير من التحدث والتصريح بتلك الآراء وأما الكُتب فتمت مصادرتها وحرقها وتمزيقها، والتاريخ دوّن لنا العديد من حكايات أصحاب الرأي والمؤلفين الذين لاقوا في حياتهم أقسى العقوبات من قتل وسجن وتعذيب، لاعتبارات سياسية ودينية وطبقية ومذهبية وغيرها.

هناك نماذج كثيرة لأصحاب آراء ومؤلفين تم قتلهم وتعذيبهم وسجنهم ونفيهم من بلدانهم، ويطول الحديث عن تلك النماذج، وعلى سبيل المثال أذكر منهم: أحمد بن حنبل، أبو حنيفة السرخسي شيخ الإسلام ابن تيمية، ابن الجوزي، ابن رشد، سقراط، جان جاك روسو، سبينوزا، عبد الله الشرائح، الحلاج، برتراند رسل، غاليليو، ابن المقفع، ابن الأثير، أدريان كويرباغ، يوستل، جمال الدين الأفغاني، ميكافلي، ابن باجه، عبد الرحمن الكواكبي، ابن الأبار، كوندورسيه، بويس، مصطفى أمين، محمد الماغوط، عزيز نيسين.

وسأذكر بعض النماذج لمؤلفين عانوا بأشكال مختلفة بسبب كُتبهم:

ابن المقفع كان يؤلف ويترجم العديد من الكتب، وكان بعضها يحمل في طياته شيئاً من السياسة، حتى ألّف كتابه المشهور «رسالة الصحابة» أي صاحبة الخليفة أو جعفر المنصور، وذلك في بداية سقوط الدولة الأموية وبداية حكم العباسيين، حيث كان الكتاب عبارة عن رسالة يوصي فيها أبو جعفر المنصور بحسن اختيار معاونيه، وحسن سياسة الرعية، ويحذره من أصحابه وبطانته وندمائه الذين يغشونه ولا يخلصون معه في أعمالهم ونصحهم ومعلوماتهم له، وأمور أخرى متعلقة بالقضاء ومؤسسات الدولة، لكن أبو جعفر المنصور غضب من ابن المقفع ولم يقبل منه هذا النصح والتوجيه والتحذير، فكتب إلى نائبه سفيان بن معاوية أن يقتله، فأمر بالقبض عليه ثم أمر بتقطيع لحم جسده قطعة قطعة ويرميها في تنور قد أُشعل خصيصاً لهذا الغرض، حتى مات بن المقفع وهو ينظر إلى أطرافه وهي تحترق.

نيكولا ميكافللي الذي ولد في فلورنسا 3 مايو 1469م، وتوفي في فلورنسا في 21 يونيو 1527م، وكان يمتاز ميكافللي في فكره السياسي وفلسفته الغريبة، عاش في إيطاليا إبان عصر النهضة. وألّف كتابه العظيم (الأمير) ويسمى أيضاً (السلطة)، وهو بالأصل عبارة عن رسالة كتبها عام 1513م، إلى (لورينزو الثاني دي ميديشي) حاكم فلورنسا في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، أديب وراعي فنون متعددة، ينتمي إلى سلالة ميديشي. كتبها بعد أن فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزل صغير في فلورنسا، بعد أن اتُهم بالتورط في مؤامرة ضد المديتشيين، حيث سُجن وتم استجوابه تحت التعذيب، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، لكن البابا الميديشي الجديد ليو العاشر، قام بالعفو عنه وإطلاق سراحه. ولقد وضعت روما كتاب الأمير عام 1559م، ضمن الكتب الممنوعة وأحرقت كل نسخة منه، ولم يتسن طبعه إلا بعد عقود طويلة.

ابن رشد ذُكر أن سبب حرق جميع كُتبه والسخط عليه من قِبل السلطان المنصور الموحدي كان بسبب تلخيصه لكتاب أفلاطون (الضروري في السياسة)، حيث أمر السلطان بنفيه إلى قرية كانت لليهود، وأحرق كتبه، وأصدر منشوراً إلى المسلمين كافَّة ينهاهم عن قراءة كتبه الفلسفية، وهدد كل من يخالف أمره. وقد مات ابن رشد محبوسًا في داره بمراكش، وذلك سنة (595هـ=1198م).

وفي عهد الرئيس المصري الراحل أنوّر السادات تم سجن الكاتب والصحافي الكبير مصطفى أمين، وقد عُومل بشكل قاس حتى إنهم لم يكونوا ينقلونه للمستشفى عندما كان يحتاج لذلك، ولم يكونوا أيضاً يمدونه بالأدوية التي يحتاجها في سجنه، حتى أنهم منعوه بشكل غريب جداً من الكتابة في فترة سجنه، وفي ذلك يقول في أحد كتبه: «وبلغ الأمر بالعقيد صلاح مكاوي مأمور ليمان طرة أن منع دخول ورق التواليت خشية أن أكتب عليه!، وفي بعض هذه السجون كانت الكتابة ممنوعة على الإطلاق، وفي سجن ليمان طرة مثلاً كانت الأوامر والتعليمات التي أرصدها وزير الداخلية بشأن معاملتي ألا يوضع ورق أو حبر أو قلم في زنزانتي، وأن أضعها في مكتب ضابط العنبر، وأن أكتب إلى أسرتي مرتين في كل شهر، وألا يزيد كل خطاب عن نصف ورقة كراس، وأن أكتب الخطاب في مكتب الضابط وفي وجوده!، وكنت مسجوناً نموذجياً، أطيع الأوامر والتعليمات، مهما كانت سخيفة وجائرة، وكل تعليمات السجن سخيفة وجائرة. ولكن تعليمات وحيدة قررت أن أثور عليها، وأخالفها وهي الخاصة بعدم الكتابة، وذلك أن الكتابة بالنسبة للكاتب أشبه بالتنفس، وكان معنى هذه التعليمات الجائرة أن أتنفس مرتين كل شهر».

وذُكر أن ابنتيه رتيبة وصفية قامتا بزيارة إلى السيدة جيهان السادات مع السيدة أم كلثوم أملاً في التوسط من اجل الإفراج عن والداهما وذلك عام 1972، ولكنهم لم يوفقوا في الإفراج عنه فوراً، وبعد وقت قام السادات بإصدار قرار العفو عنه بعد هذه الزيارة بثلاث سنوات وبعد نصر أكتوبر، ولقد توفي مصطفى أمين في 13 إبريل 1997م.

وعلى صعيد الحكومات والوزراء استطاع الكتاب أن يُحدث ضجة تاريخية في الكويت، ففي عام 1998 ميلادي أسقط الكتاب الحكومة الكويتية برمتها آنذاك، وذلك عندما تم تقديم استجواب إلى وزير الإعلام في ذلك الوقت الشيخ سعود الناصر الصباح– رحمه الله- بسبب إدخال بعض الكتب الممنوعة إلى معرض الكويت الدولي للكتاب، وقد قدم الاستجواب من قبل النواب وليد الطبطبائي ومحمد العليم وفهد الخنة، ونوقش الاستجواب في 17 فبراير و24 فبراير و10 مارس 1998، وكانت نتيجة ذلك الاستجواب أن استقالت الحكومة قبل طرح الثقة فيها.

يقول الروائي عبد الرحمن منيف: «التجربة أثبتت أن الكتب حين تمنع تصبح أكثر رواجاً، وبالتالي يُقبل على قراءتها الكثيرون». هذه الجملة التي ذكرها عبد الرحمن منيف أؤمن شخصياً بصحتها وحقيقتها، لأني وقفت على تجارب كثيرة من هذه الحالات الخاصة المتعلّقة بالكُتب ومنعها، وإني أعرف أحد الكُتاب السياسيين يعمل محامياً قام بتأليف كتاب سياسي بعد أن تم ترخيصه من وزارة الإعلام، وقبل أن ينشره قام على عمل دعاية إعلامية كبيرة لكتابه لكن بشكل مغاير! حيث اجتهد كثيراً هو وأصدقاؤه ومعارفه الإعلاميون أن يُرّوجوا بأن الكِتاب تم منعه من النشر بأمر من السُلطات العُليا! رغم عِلمي الأكيد بأن كتابه مرخص إعلامياً قبل أن يقوم بطباعته ولقد حصلت على نسختين منه عبر أحد الأشخاص الذين يعملون بمخزن المطبعة التي طبعت الكِتاب!

والتجربة الأُخرى كانت مع كِتاب (سأخون وطني) للكاتب الكبير محمد الماغوط، وهو عبارة عن مجموعة مقالات سياسية ساخرة، يبث فيها الماغوط همومه كمواطن مسلم وعربي، والمضحك أن هذا الكِتاب تم بيعه في معرض الكويت الدولي للكتاب سنة 2010، ثم تم منعه في معرض الكويت الدولي للكتاب سنة 2011، ثم تم السماح ببيعه في معرض الكويت الدولي للكتاب سنة 2012 و سنة 2013، وهذا دليل واضح بأن الجهة القائمة على مراقبة الكُتب في معرض الكويت للكتاب الدولي وقعت في تخبط شديد لعد تحديد موقها من كتاب (سأخون وطني)، ويبدوا أن عنوان الكِتاب هو المشكلة لدى الجهة الرقابية في المعرض لا في مضمونه وجوهرة، مما جعلهم يتخذون قراراً متخبطاً مضحكاً في التعامل مع مثل هذا الكتاب الذي أعرف جيداً أنه يباع بشكل سنوي في معرض الكويت للكتاب بشكل خفي وتتم نفاد نسخته في أول أيام المعرض بسبب منعه رغم أنه يحتوي على مقالات سياسية ساخرة ليس فيها ما يحرج الجهة الرقابية في معرض الكويت الدولي للكتاب ويجرهم لمساءلات قانونية أو حتى سياسية قد تطول وزيرهم!

في عام 1988م في لندن صدرت رواية ( آيات شيطانية) لمؤلفها الهندي سلمان رشدي، ولأن الرواية لا تتفق مع مبادئ المسلمين ولأن مؤلفها مسلم هندي ثارت ثائرة بعض من المسلمين حول العالم، وخرجت مظاهرات تندد بالرواية ومؤلفها في إسلام آباد ولندن وطهران وبومبي ودكا وإسطنبول والخرطوم ونيويورك، ولقد استطاع المحتجون بحرق أعداد كبيرة من الرواية في برادفورد في المملكة المتحدة، ولقد منعت الهند دخول مواطنها سلمان رشدي من دخول البلاد، وكذلك أفتى المرشد الإيراني الخميني في 14 يناير 1998 بإهدار دم سلمان رشدي، وكل هذه الأحداث ساهمت كثير جداً بالتسويق للرواية في كافة أنحاء العالم! مما جعلها تنفد من الأسواق بسرعة كبيرة، ومن ثم تمت طباعتها مرات عديدة في الكثير من الدول! وهذا كله بفضل الحماس الإسلامي غير المنضبط وغير الموّجه توجيهاً سليماً لخدمة الدين الإسلامي.

وأذكر كذلك رواية ( بنات الرياض ) لمؤلفتها رجاء الصانع، صدرت في عام 2005، تدور أحداثها حول علاقة أربع فتيات صديقات كل منهن تعيش قصة مختلفة عن |لأخرى، وقد احدثت هذه الرواية ضجة كبيرة إعلامية بسبب أن مؤلفتها سعودية الجنسية وتعيش في مجتمع يسوده التوجه الديني، فالكثير من الخطباء والكُتاب والإعلاميين من التيار الديني السعودي وغير السعودي ساهموا في تسويق وانتشار هذه الرواية دولياً بشكل غير مباشر،حتى طبعت بأكثر من لغة! والفضل يعود للهجوم الشديد الذي واجه الروية ومؤلفتها، رغم أن الرواية لم تكن على قدر من الأهمية الموضوعية ولا حتى الفنية!

ما أود إيصاله لك أيها القارئ الكريم في نهاية هذا الموضوع أن الآراء والكُتب لا يُتعامل معها بالقتل والتعذيب والسجن والحرق، بل يتم التعامل معها بالذي هو عقلاني ومنطقي وهادئ، لكي تتم مواجهتها بشكل علمي صحيح من خلاله نستطيع أن نُفنّدها ونُحاججها ونرد عليها، وكم من رأي وكتاب قد انتشر في الآفاق بسبب التسويق والدعاية غير المباشرة له من قِبل الناس، وهذا الأمر يزداد خطورة وسرعة وانتشاراً في زمن «تويتر» و«الفيس بوك» و«مواقع الإنترنت الاخبارية»، وكم من كِتاب مطبوع تم منعه ومصادرته تم تحويله لكتاب إلكتروني تستطيع الحصول على نسخة منه عبر الإنترنت وبشكل مجاني!

نشر المقال في جريدة الراوي
http://www.alraimedia.com/Articles.aspx?id=516481

Twitter :@alrawie

roo7.net@gmail.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1286


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


تقييم
1.00/10 (13 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تصميم مواقع - استضافة مواقع - تطوير كويت ايجي لخدمات مواقع الانترنت
تطوير وتصميم واستضافة كويت ايجي
الرئيسية |الفيديو |الأخبار |راسلنا | للأعلى