الموقع الرسمي للكاتب حسين الراوي
الإثنين 11 ديسمبر 2017

جديد الأخبار

الأخبار
الأخبار
الببلومنيا مرض المثقفين
الببلومنيا مرض المثقفين
03-30-2016 01:51
وصف الشاعر العثماني عبد اللطيف شلبي كل كِتاب في مكتبته (بصديق حق، ومُحب يبعد الهموم كلها). وقال غليبر تهايت: الكتب ليست أكواما من الورق الميت، إنها عقول تعيش على الأرفف. وقال برتراند راسل: هناك شيئان يحفزان على القراءة، متعتها والتفاخر بها.

حُب الكُتب وقراءتها واقتناؤها له حدود واضحة ترسم أبعاد الصورة العامة الطبيعية التي يجب أن يكون عليها القارئ في تعامله مع الكُتب، وإذا أفرط القارئ في حُبه للكتب وتناسى تلك الحدود العامة والطبيعية في محبته لها سيؤدي ذلك إلى مرض سُعار اقتناء الكُتب، وسيصل الحال به إلى شراء الكتب وتجميعها وتكديسها ولو لم يقرأها، مكتفياً بها كديكور في منزله يريح قلبه النظر إليه! ولعل ذلك الهوس يزيد إلى حد أن يقوم ذلك القارئ المهووس بسرقة الكُتب من المكتبات العامة والمكتبات التجارية والمكتبات الشخصية ومعارض الكتب! وهذا المرض يُسمى بـ «الببلومانيا». و bibliomania هي مصطلح متعلق بالطب النفسي، ويعني: هوس الكُتب. ليس هناك محظور في أن يقتني عاشق القراءة الكثير من الكُتب، لكن المحظور أن يقتني هذا القارئ الكثير من الكُتب دون قراءتها والاستفادة منها، استفادة ثقافية حقيقية تنعكس عليه في عدة جوانب. ولقد ذكر المؤلفون الكثير ممن أصيبوا بـ «الببلومانيا»، ولعل أشهرهم هو الكاتب والشاعر والروائي والمسرحي الفرنسي جان جينيه الذي «عاش ما بين (1910 - 1986) وقد دُفن بالمغرب بحسب وصيته. وجينيه من أدباء فرنساء المشهورين جداً، وله عدة روايات ومسرحيات وكتب وقصائد إلى الآن ذات صدى جميل. ولقد "ولد جينيه في باريس من أب غير معروف وأم هامشية كانت تشتغل كخادمة في البيوت، وبعد عام واحد من ولادته، أو حتى سبعة أشهر، تخلت عنه أمه ووضعته في أحد المراكز الاجتماعية التي تهتم بالأطفال المهجورين ومنذ ذلك الوقت انقطعت علاقتها كليا بالطفل ولم تره أبدا في حياتها.

وفي ذلك الوقت كان الأطفال المهجورون يوضعون لدى العائلات الفرنسية التي تقبل في استقبالهم مقابل دفع مبلغ زهيد لها، وهكذا ارسل جينيه الطفل إلى عائلة ريفية تسكن في إحدى القرى الفرنسية البعيدة عن باريس. وفي عام 1916 أي في سنّ الخامسة دخل إلى المدرسة الابتدائية في هذه القرية، وفي عام 1919 ماتت أمه بمرض الأنفلونزا وعمرها لا يتجاوز الثلاثين عاماً. وهكذا لم يتح له أن يتعرف عليها أبدا ولم يتح لها هي أيضا أن تراه وماتت دون أن تعرف أنه سيصبح مشهورا، وفي عام 1920 ابتدأ يسرق الناس للمرة الأولى وكانت سرقات بسيطة كأقلام الرصاص، أو الدفاتر او بعض الحلويات.

وكثيرا ما كان يوزّع هذه المسروقات على زملائه في المدرسة ثم ارتكب عدة حماقات بعدئذ وادخل الى السجن عدة مرات، وابتدأ يكتب أولى رواياته وهو في السجن، وبعدئذ جاء الى باريس واصبح محترفا في فن سرقة الكتب الفلسفية والأدبية في مكتبات باريس الكبرى وكان يبيعها بعدئذ لكي يعيش عليها، وفي عام 1942 قبضوا عليه بالجرم المشهود وهو يسرق الكتب فادخلوه الى السجن لمدة ثمانية اشهر، وهناك كتب قصيدته الجميلة (الإنسان المحكوم بالاعدام)، وقد نشرها في العام نفسه مع روايته الاولى: (سيدتنا في جهة الازهار).وفي عام 1943 ابتسم له الحظ فتعرف على شابين مثقفين وهو يمشي على ضفاف نهر السين، وهذان الشابان قدماه الى الأديب المشهور آنذاك جان كوكتو الذي اعجب كثيرا بقصيدته (المحكوم بالاعدام). ولكن الرواية صدمته في البداية وزعزعته ثم عرف فيما بعد مدى أهميتها وساعد جينيه على إيجاد ناشر لها، وهكذا ابتدأت حياته الأدبية التي سوف تقوده الى قمة المجد لاحقا.ولكن المشكلة هي انه عاد الى عادته القديمة «سرقة الكتب»! وهكذا قبضوا عليه في ساحة الأوبرا في باريس وفي جيبه نسخة نادرة من ديوان فيرلين الشهير: (أعياد ظريفة) وحكموا عليه بالسجن المؤبد لأنه سارق محترف. وعندئذ تدخل جان كوكتو ووضع له محاميا شهيرا عرف كيف يدافع عنه ويمنع عودته إلى السجن مرة أخرى، وقد اقنع المحكمة بأن جينيه معتوه ولا يعتب عليه لأنه خال من الإرادة والشعور الأخلاقي، وبالتالي فهو شخص غير مسؤول عما يفعله!وفي أثناء المحاكمة تدخل كوكتو شخصيا وقال لهم: هل تعلمون أنكم تحاكمون الآن اكبر كاتب فرنسي في العصور الحديثة؟! وهكذا نجا من السجن المؤبد وحكم عليه فقط بالسجن لمدة ثلاثة أشهر وفي أثناء هذه الفترة كتب رائعته (معجزة الوردة). ولكن بعد خروجه بفترة قصيرة قبضوا عليه أيضا وهو يسرق الكتب! و للمرة الأولى يصرح للبوليس بأن مهنته هي: «كاتب» فسجنوه أربعة أشهر. وفي عام 1944 تدخلت عدة شخصيات لصالحه فأطلقوا سراحه ولم يعد إلى السجن بعدئذ أبدا، ولكن يمكن القول بأن مجموع الفترات التي قضاها في السجن بشكل متقطع تصل إلى أربع سنوات ونصف السنة».

في النهاية على عشاق القراءة أن ينتبهوا من مرض الببلومانيا أن يصيبهم من حيث لا يشعرون، فتكديس الكتب في البيت في كل موسم ثقافي دون قراءتها أو حتى فتح مُغلفها ليس إلا نوع من أنواع الببلومانيا !


شارك:

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 556


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


تقييم
1.00/10 (4 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تصميم مواقع - استضافة مواقع - تطوير كويت ايجي لخدمات مواقع الانترنت
تطوير وتصميم واستضافة كويت ايجي
الرئيسية |الفيديو |الأخبار |راسلنا | للأعلى