الموقع الرسمي للكاتب حسين الراوي
الإثنين 19 نوفمبر 2018

جديد الأخبار

الأخبار
الأخبار
حسين الراوي / أبعاد السطور / أدب السجون... «تلك العَتْمةُ الباهرة»
09-29-2012 11:46

الحديث عن أدب السجون حديثٌ يعني أنْ نتأهبَّ لانفتاحِ نافذةِ الألمِ والحُزْنِ والضيّاع، ويعني أنّنا سنغمسُ مشاعرنا بين وحشة الظّلام وقلق الحَيْرةِ، ويعني أيضاً أنّنا سنُسْبِل الدّمْعة على أحلامٍ كثيرةٍ تاهتْ في مدى الشّتات متكسرةً، ويعني أنّه ستسكن في داخلنا لوعة كبيرة من هذه النافذة القبيحة. الفضل في صناعة ثقافة أدب السجون وانتشارها واختلاف تناولها وسردها في الوطن العربي يعود لتلك المعتقلات والسجون والسراديب التي بناها الطغاة من حكام العرب، من أجل أن يقذفوا في غياهب جحيمها الكثير ممن يخالفهم سياساتِهم وآرائِهم الخاطئة. أدب السجون يعني ذلك الإنتاج الأدبيّ الذي جاء نتيجة تجربةٍ واقعيةٍ شخصيةٍ عايشها أيُّ إنسانٍ ضد حريته ورأيه وإنسانيّته وكرامته، في أيّ مكانٍ خُصّصت مساحاته لأن تكون عقوبةً تعسفيةً منتظرةً لكل من يُخالف سياسة السُّلطان المستبدّ، أي أنها سرد ونقل تجربة ومعاناة شخصية سياسية اعتقالية في إطارٍ أدبيّ. «تلك العتمة الباهرة» رواية تُصنّف أنّها من أدب السّجون، وهي مستلهمة من أحداث وشهادة حقيقية لأحد المساجين الذين نجوْا من معتقل «تزمامارت» يدعى عزيز، للروائي الطاهر بن جلوُّن. هذه الرواية تحكي مأساة مجموعة من العسكريين الذين تورّطوا بمحاولة انقلاب ضد ملك المغرب الحسن الثاني، حيث قام بعض القادة العسكريين الكبار بخداعهم واقتيادهم نحو قصر الصُّخَيْرات الملكي، رغم أن المعلومة التي خرجوا من أجلها كانت من أجل المشاركة في مناورة عسكرية فقط! وكان ذلك في العاشر من يوليو 1971 م. ومن ثمّ تمّ القبض على مُخطّطي ومُنفّذي هذه المحاولة الانقلابية، ثمّ أودعوا في احد السّجون ومن ثمّ تمّ نقلهم إلى «تازمامارت»، وهو معتقل سرّي يقع في أطراف الصّحراء الشّرقية المغربيّة، قُذف فيه الكثير من المغاربة خلال ما يُسمى بأعوام الرّصاص، وكان هذا المعتقل مدينة كبيرة للعذاب والقهر والفقد، تم افتتاحه في شهر أغسطس 1973 م وأُغلق بتاريخ 15 سبتمبر 1991 م. في الجناح (ب) القابع في «تازمامارت»، كان هناك ثلاثة وعشرين إنساناً، كل واحد منهم وضع في زنزانة خاصة بهِ، وكانت هذه الزنازين عبارة عن حُفر ضيقة ورطبة ومُظلمة، طولها ثلاثة أمتار وعرضها المتر ونصف المتر، فيها يتبولون ويتبرزون ويأكلون ويشربون! في مكان لا يرون فيه إلا الظلام، ولا يسمعون فيه إلا خشخشة الحشرات! ولم يكونوا يشعرون بنور الشمس والسماء والهواء الطلق إلا في فترات طويلة متقطعة، وهي عندما يخرجون لدفن من يموت منهم. ولقد أجاد الطاهر بن جلُّون في دقة كبيرة، وإحساس عميق أن ينقل ما دار في ذلك المعتقل على لسان عزيز، ولقد أدهشني كثيراً في وصفه السردي للعديد من المواقف والتّجارب التي عانى منها المعتقلون في ليلهم أو نهارهم، وتلك الأماني والتطلعات والأحلام والذكريات والعذابات التي يُحاكون أنفسهم فيها، ويقطعون عبرها عزلتهم ووحدتهم وظلامهم وأيامهم ولياليهم ولحظاتهم الموحشة. ومن أجمل المشاهد الرائعة التي صوّرها بن جلُّون بقلمه هو ذلك المشهد البائس الحزين الذي تعرض له عزيز وهو في أعلى درجات الضعف الجسدي، لحظة لدغته مجموعة من العقارب التي وصلت إلى حفرته وأخذت تسير على جسده وهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً! وكيف استطاع بشكل درامي أن يطرد من جوفه سمّ العقارب الذي كان أن يقتله في حفرته بسبب مكيدة أعدّها لها السجانون.
في رواية «تلك العتمة الباهرة» مواقف أُخرى كثيرة مدهشة ومحزنة، منها لحظة أن رأى عزيز وجهه في المرآة في غرفة طبيب الأسنان بعد خروجه من المعتقل، حيث لم يكن قبلها قد شاهد ملامح وجهه منذ ثماني عشرة عام! وكيف كان يصف تلك اللحظات المرعبة التي أخذ فيها يُحدقُ في تجاعيد وجهه وعينيه الجاحظتين وملامحه التي كانت تصرخ بالآه. رواية «تلك العتمة الباهرة» اختصر فيها بن جلُّون عشرين عاماً من العذاب واللا حياة في معتقل «تازمامارت»، حيث قّذِف في أحد أجنحته ثلاثة وعشرين إنساناً لم يتبق منهم إلا ثلاثة فقط، خرجوا منه للحياة كأنهم الأشباح! هذه الرواية الجميلة أعادت لي الثقة في الرواية العربية، وجعلتني أتجه من جديد لأن التفت نحو الروائي العربي، حيث أن آخر رواية عربية قرأتها قبلها كانت منذ أعوام طويلة، فيها قاطعت الرواية العربية وانكببت على الرواية الغربية. والحمد لله الذي لم يجعلنا نشاهد في دولتنا الكريمة أي مبنى شُيّد خصيصاً لسجناء الرأي، والاعتقالات.


حسين الراوي
alrawie1@hotmail.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1458


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


تقييم
1.54/10 (58 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تصميم مواقع - استضافة مواقع - تطوير كويت ايجي لخدمات مواقع الانترنت
تطوير وتصميم واستضافة كويت ايجي
الرئيسية |الفيديو |الأخبار |راسلنا | للأعلى